الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
70
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والمعنى : فسر ما تدل عليه وأوّل إشاراتها ورموزها . وكان تعبير الرؤيا مما يشتغلون به . وكان الكهنة منهم يعدونه من علومهم ولهم قواعد في حل رموز ما يراه النائم . وقد وجدت في آثار القبط أوراق من البردي فيها ضوابط وقواعد لتعبير الرّؤى ، فإن استفتاء صاحبي السجن يوسف - عليه السّلام - في رؤييهما ينبئ بأن ذلك شائع فيهم ، وسؤال الملك أهل ملأه تعبير رؤياه ينبئ عن احتواء ذلك الملأ على من يظنّ بهم علم تعبير الرؤيا ، ولا يخلو ملأ الملك من حضور كهان من شأنهم تعبير الرؤيا . وفي التوراة « فأرسل ودعا جميع سحرة مصر وجميع حكمائها وقص عليهم حلمه فلم يكن من يعبره له » « 1 » . وإنما كان مما يقصد فيه إلى الكهنة لأنه من المغيبات . وقد ورد في أخبار السيرة النبوية أن كسرى أرسل إلى سطيح الكاهن ليعبر له رؤيا أيام ولادة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وهي معدودة من الإرهاصات النبوية . وحصل لكسرى فزع فأوفد إليه عبد المسيح . فالتعريف في قوله لِلرُّءْيا تعريف العهد ، والمعهود الرؤيا التي كان يقصها عليهم على طريقة إعادة النكرة معرفة باللام أن تكون الثانية عين الأولى . والمعنى : إن كنتم تعبرون هذه الرؤيا . والأضغاث : جمع ضغث - بكسر الضاد المعجمة - وهو : ما جمع في حزمة واحدة من أخلاط النبات وأعواد الشجر ، وإضافته إلى الأحلام على تقدير اللام ، أي أضغاث للأحلام . والأحلام : جمع حلم - بضمتين - وهو ما يراه النائم في نومه . والتقدير : هذه الرؤيا أضغاث أحلام . شبهت تلك الرؤيا بالأضغاث في اختلاطها وعدم تميز ما تحتويه لمّا أشكل عليهم تأويلها . والتعريف فيه أيضا تعريف العهد ، أي ما نحن بتأويل أحلامك هذه بعالمين . وجمعت أَحْلامٍ باعتبار تعدد الأشياء المرئية في ذلك الحلم ، فهي عدة رؤى . والباء في بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ لتأكيد اتصال العامل بالمفعول ، وهي من قبيل باء الإلصاق مثل باء وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ [ سورة المائدة : 6 ] ، لأنهم نفوا التمكن من تأويل
--> ( 1 ) الإصحاح الحادي والأربعون من سفر التكوين .